وصف المدون

إعلان الرئيسية

إختارنا لك

 



هلاك للجميع..
                "رسائل خفية" تفتح ملف التنقيب غير الشرعي عن الآثار

تحقيق: محمد ناصر


تبوح القبور المصرية بين الفينة والأخرى بما تحويه من رفات القدامى، لا تحتاج إلى مساعدة من بشر، يكفي أنها صمدت من الدهر ما لم تستطع مثيلتها أن تصمد، شامخةٌ كالجبال ولكن مغطاة بالرمال، لا يعلم أسرارها إلا القليل وسيبقى قليلاً.

ولكن هناك من أضل تاريخه وحقّر ماضيه، هناك من أراد إسقاط حضارة بأكملها، ومحو ما لم يقدر الدهر على محوه، أتدري منذ متى قامت الحضارة الفرعونية وكيف تم بنائها؟ كيف صمدت كل تلك الآلاف من السنين؟ ولكن هذا التاريخ ملك للمصريين جميعًا، هنا تعتقد فئة من الشعب بأن ما يقطن تحت الثرى هو ملك الجميع وليس حكرًا على الدولة متمثلة في حكومتها.


التنقيب بواسطة الدجل

في إحدى محافظات مصر المشهورة بكثرة كنوزها الأثرية تتواجد حفنة من الناس تنبش عن ما يجعلها ثرية في أيام معدودة، نعم هو التنقيب غير الشرعي عن الآثار داخل أحد المنازل بقرية (ع) التابعة للجنوب، تتواجد حفنة من الرجال المعدمين ألقوا بكل آمالهم في الحياة وتشبثوا بحبل التاريخ المدفون.

وفي مقدمة هؤلاء يقف برجاء وخوف صاحب المنزل (أ.ر) طامعًا أن تتم هذه العملية بخير ودون معرفة أحد، يعاونه في ذلك بعض أقاربه وصهره المتكفل بتكاليف عملية الحفر والاستخراج حتى النهاية مقابل 30 بالمائة من المبلغ المتفق عليه، بالإضافة لأخ صهره المتمثل في كونه رئيس عمال الحفر وصاحب النفوذ عليهم، واقفين جميعًا ممثلين دائرة حول الرأس الكبيرة وهو الشيخ الروحاني (الدجال) أثناء عملية تحضيره للرصد خادم المقبرة.

من المعروف عن القدماء براعتهم واشتغالهم بعلوم السحر فكان الملك أو المتوفى بعد إجراءات دفنه يتم إلقاء التعاويذ من الكاهن المخول بحفظ المقبرة من اللصوص، ويكون هذا الرصد من الجان السفلي غير المنتمي لأي ديانة مما يكون من أشد وأقوى الجان، وكلما علا شأن المتوفى؛ علا شأن حارس المقبرة في القوة، حتى يصل الملك المدفون بكامل مقتنياته إلى رصد شديد لا يستطيع صرفه ومفاوضته أي ساحر عادي بل يجب أن يكون ممارسًا ومتقنًا لفنون السحر السفلي، بهذه الطريقة يضمن الملك عدم اقتراب أحد من مقبرته.

 

خوض التجربة

يحكي (أ . ر) عن تجربته التي كادت أن تفتك به وبمن معه فيقول "إنه في إحدى الليالي المطيرة جاء لي صهري يقنعني بأن بيتي تحته كنز لو أخرجناه لأصبحنا من الأثرياء ولن يوجد شقاء بعد اليوم، ظل صهري (ط . ر) يحرضني على عملية التأكيد قبل أن نبدأ حتى يطمئن قلبي، ولكن لا ألومه فأنا كنت في ظروف معدمة وأحتاج إلى أي مال، فوافقت وبعد ليلة وضحاها جاء صهري ومعه شخص يدعى (ع) وهو رجل روحاني معه خادمه من الجان ويستطيع أن يعرف إذا كان هذا المكان به آثار أم لا عن طريق تحضير قرين صاحب المكان، تخوفت في البداية ولكن وافقت، فما أن بدأ هذا الشيخ كما يلقبه صهري يتمتم ببعض الكلمات غير المفهومة قال لي: "كان منزلك مبنيًا على أرض زراعية وكان بها نخلة محروقة وأصاب ابنتك مرض عقلي من عشرين سنة"، فاندهشت من معرفته لكل تلك التفاصيل التي لا يعرفها أحد غيري أنا وأبي المتوفى.

بعد فترة من إظهار هذا الشخص بعض قدراته قال لي بأن منزلي مبني فوق مقبرة فرعونية بها من الكنوز ما تغني القرية بأكملها، ولكن بما أنني لا أقتنع بالسحر والسحرة فقلت له لن أحفر إلا بدليل علمي، تدخل صهري بقوله: "سأجلب لك دليلاً علميًا غدًا"، كان هذا الدليل عبارة عن مثقاب يحفر في الأرض وينزل لمسافات عميقة فبدأنا ووقف المثقاب بعد ثلاثة عشر مترًا، وقتها لم أجد صهري في هذه السعادة من قبل ويقول لي: "مبروك أصبحنا أثرياء"، كان هذا المثقاب دليلاً حقيقيًا يستخدم في تلك الحالات، ومن وقتها بدأنا التنقيب".


تغير الحال

لكي تتم عملية التنقيب غير المشروعة هذه يجب أولاً أن تتأكد بكون منزلك تحته مقبرة فرعونية ولذلك عدة طرق منها ما هو علمي مثل أجهزة كشف المعادن، أو المثاقيب كالتي استخدمها      (أ . ر)، ومنها ما هو روحاني (غير علمي) مثل الكشف عن الآثار بواسطة السحرة والمشعوذين، ولكن الطريقة الأخيرة ليست دقيقة بنسبة مئة بالمئة بل مجرد تكهنات ساحر، ويحكي خائض هذه التجربة ويقول، إنه بعدما بدأ عملية التنقيب تبدلت حاله إلى النقيض فبعدما كان رجلاً مسالمًا لا يطمع في أي شيء، أصبح يقف بعدائية تجاه من يحول بينه وبين استخراج كنزه المزعوم.


دور الدجال في التنقيب

ذات ليلة عندما أحس جاره بوجود حركة غير اعتيادية داخل مكان العمل فصارحه وكان على وشك أن يبلغ الشرطة ولكن بمعاونة دجال المكان القائم على خدمة رصد المقبرة أصاب هذا الجار بسحر حتى يكون طوع أمره ولا يبلغ الشرطة حتى ينتهي، هذا شيء بسيط من أفعال شيخ المكان كما يقول، وأن الحكمة من وجود شيخ عند الحفر هو التفاوض مع الرصد الموجود على المقبرة وتقديم القرابين له حتى يتم ترك العمال يقومون بعملهم والتسهيل من عملية الحفر، لأنه إذا أراد الرصد أن يقاوم فسيفعل بعض العكوسات كثني المعاول عند الحفر أو تسريب المياه الجوفية وجعل مهمة الحفر شبه مستحيلة.

المياه الجوفية أو كما يطلق عليها الشيخ بأنها مياه الرصد يفتحها علينا كي يمنعنا من الوصول، كانت مصدر إزعاج كبير فبينما نحفر في المتر السادس، وبدأت المياه بالظهور وبعد حفر متر آخر انهالت الماء وكأنها آبار لم نستطع مجاراتها ومنعها، استخدمنا بعض المعدات الهندسية كماكينة شفط الماء المستخدمة في عمليات الزراعة، ولكن لكوننا جهلاء بالعلم ازدادت الماء ولم تتوقف كما ظننا؛ وذلك بسبب أن هذه الماكينة تعمل على تفتيح مسام الأرض فتزداد المياه الجوفية في الحفرة وجعل مهمة التنقيب شبه مستحيلة.


إقناع بعض الأقارب للتنقيب عن الآثار ليست مهمة صعبة بل قم باستغلال ظروفهم السيئة حتى يفعلوا ما تأمرهم به، حفنة الرجال هذه لن تبدأ الحفر إلا بوجود ضمان قوي لاسترداد حقهم بعد إتمام العملية، ولن يبدأوا إلا بوجود شيخ فوق المكان حتى يحميهم من الرصد، ستقابل من المحتالين الكثير ومن المدعين القدرة على السلطة الكثير، ستكون رحلتك مليئة بالمشقات وقد تُختبَر عقيدتك مرات ومرات في هذه الرحلة، بدايتها كونك تؤمن بساحر حتى يتم لك المهمة، مرورًا بتصرفاتك غير الآدمية في أذية من يقف في طريقك، وصولًا لاضطرارك لقتل أحدهم حتى تنال مرادك.


القرية الملعونة

ذات ليلة في إحدى القرى الريفية الجنوبية وأثناء عملية الحفر وبخطأ تقدير حسابات الدائرة المحفورة وعدم تأمينها تم دفن  شخصين أحياء بسبب غلق الأرض على ذاتها وراح هذان الاثنان ضحية طمعهم، وفي سنة من السنين داخل نفس القرية وبعد إتمام عملية الحفر وقبل فتح المقبرة طلب الرصد دم والد من يقوم بالحفر كقربان حتى يأخذ الكنز، فقام الرجل بقتل والده فوق المكان ومنذ ذلك الحين لم يعش لهذه العائلة رجل، كل أفرادها تم لعنهم وأصبحت ممتلكاتهم مهجورة تسكنها الفئران والأشباح.

يختلف الأمر مع قائلنا، فهو لم يصل لتلك المرحلة بل ترك الرحلة في بدايتها وقرر إغلاقها للأبد بعد تسليم المكان للشرطة، فذات ليلة وأثناء عملية الحفر التي استغرقت ثلاثة أشهر على عكس كلام صهره الذي قال له إن العملية ستأخذ أسبوع فقط، وجدوا بعض العظام البشرية، حينها قال لهم الشيخ إن عليهم تقديم قربان متمثل في ذئب جبلي حتى يستطيعوا إكمال عملية التنقيب والوصول لباب المقبرة، وإن لم يفعلوا فستغلق تلك الحفرة في الأرض من تلقاء نفسها على الموجودين فيها، عندها رفض صاحبنا هذا، واتجه إلى بعض المعارف الذي تعرف عليهم في هذه الرحلة وأراد منهم أن يستأجر جهاز للكشف عن المعادن وفتحات الأرض حتى يأخذ التقرير ويعرضه على بعض الأشخاص ليشتروا المكان كما هو وسيكملون هم بطريقتهم.


ما لم يكن في حسبانه أن يتم النصب عليه في هذا، فقد أخذ أصحاب الجهاز عشرة آلاف جنيهًا لاستئجار الجهاز بالمهندس المسؤول عنه بالتقرير وكل شيء، وبعد أخذ المبلغ لم يروه مرة أخرى، فقرر معاقبة نفسه على الحال التي وصل لها وأبلغ الشرطة بما يدور في منزله وقاموا بالتدخل، وبالكشف عن المقبرة المزعومة بالأجهزة الحقيقية التابعة للدولة لم يثبت وجود مقبرة لفرعون بل هي مجرد صخرة عملاقة موجودة في تكوينات الأرض الطبيعية.

حسرة كبيرة وخيبة أمل وجدها صاحبنا ولكن من الجيد بأنه لم يستمع لكلام الساحر المدعي بكونه شيخ روحاني، على الأقل حاله أفضل بكثير من بعض أهل قريته عندما كانوا ينقبون أيضًا عن مقبرتهم الخاصة، فقامت الشرطة بالقبض على الكثير منهم، وقام البعض إما بقتل أقاربهم حتى يحصلوا على ما يريدون أو بتشتيت شمل عائلاتهم لدخولهم عالم الجان والإيمان به، والبعض منهم فقد حياته أثناء التنقيب بسبب عدم تأمين تلك الحفرة بمعدات حديثة بل أغلب من ينقبون يعملون بمعدات خشبية ومعدنية رقيقة لا تقوى على صد الأرض عند انهيارها، ومنهم من تم النصب عليه سواء في مال أو المنزل نفسه وبيعه لعدم إثارة غضب الرصد.



فئة قليلة فقط لا تتعدى الخمسة بالمئة هم من أتموا استخراج ما يوجد بالمقبرة، ولكن لجهل هؤلاء تم النصب عليهم من الجهة المشترية، فبعد إتمام الصفقة وذهاب كل طرف إلى حاله اكتشف البائع بأن ماله مزور وكل هذا التعب ذهب هباءًا، من خلال ما يتم حكايته عن تلك القرية أو مثيلتها، فلا يوجد من يعيش الحلم ويدركه خاصةً إذا طمع في ما عند غيره، فهناك أناس يحفروا من منازلهم وينزلون حتى عمق معين ويتجهون إلى أحد البيوت البعيدة عنهم حتى ينهبوا ما لدى جيرانهم، ولكن هؤلاء عاقبتهم أن تتهدم بيوتهم بسبب إخلال بناء الأرض وقد يقع أكثر من بيت بسبب هذا الغباء.


التخلي عن المبادئ

تجربتي هذه لن تُنسى بسبب مغامراتها العديدة وخسائرها الكبيرة سواء من مال أو مبادئ، ستظل هي اللحظة الفارقة عندما توسوس لي نفسي بالطمع مجددًا، سأعود إليها، وأكتفي حتى لا أصبح مثل (خ . ق) الذي خرج من حفرته فاقدًا نصفه السفلي أثناء نزعه لكتلة صخرية فوق مقبرته الخاص فمات بجوار جده المدفون فيها من آلاف السنين، هي أقدارنا وعلينا تقبلها، ولكن هل يصح مصطلح غير شرعي؟ أليست هي آثارنا جميعًا ومن حق كل مصري أن يأخذ نصيبه في تاريخ أجداده؟ .. هكذا اختتم "أ.ر" حديثه.

وفي النهاية، تُغريك الدنيا بما ليس لديك، ستعرض عليك في رحلتك مالاً تبيع دينك كي تناله، تعرض عليك سلطة تبيع فيها كرامتك كي تبغاها، تمدك بالمكانة المرموقة مقابل بيعك لوطنك حتى تحصل عليها، هذه الاختبارات نمتحنها كل يوم، فمنا من يتجاوزها قانعًا بما لديه وما قسمه الله له، ومنا من يسخط على قدره فيظل عاكفًا على الطريق لتحسين أموره فيقوم بما لم يتخيل أن يفعله، ويبيع تاريخه بطريقة دنيئة كالتنقيب غير الشرعي، مهما بلغ علمك عن أجدادك ستبقى جاهلاً بهم ولن تستطيع الإلمام بالتاريخ.. تاريخ لو أن هناك من يفتش فيه!


ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

شاركنا برأيك

Back to top button