وصف المدون

إعلان الرئيسية

إختارنا لك

 


يواجه الموت كل يوم.. رجل المطافئ يحكي أصعب المواقف


"نلجأ إلى المختصين بنسب بسيطة".. أخصائي نفسي يتحدث عن حياته

تحقيق: سلمى أسامة، سهيلة سعيد، محمد أسامة، محمد ناصر، ندى عزيز، وندى علاء

تَجود الحياة بما لذ وطاب من أنواع الألم والسعادة ولكن الأخيرة لا تتعدى كونها مجرد

 ومضات في حياة بعض الأشخاص، كم مرة تساءلت هل يعود رجال الإطفاء سالمين بعد

 وجودهم في قلب النيران؟ كم مرة لفت نظرك مهرج السيرك هذا وهو يهين نفسه ليضحك

 الناس؟ كم مرة تشاجرت مع خدمة العملاء كي يحلوا مشكلتك ولم تراعِ كونهم مجرد

 تروس صغيرة مظلومة في آلة أكبر؟ أمكتوب عليهم الشقاء أم هذه ضريبة مِهنهم؟ أتستمر

 ابتسامتهم هذه أم كل هذا مجرد ستار يخفى وراءه مالا يسر الأنفس؟ حياتهم التعيسة

 فُرِضت عليهم ويجب عليك احترامها، وإذا لم تعرف ما يدور بجعبتهم فهذا التحقيق سيوضح لك ما لم يكن يخطر ببالك.

وفي هذا التحقيق سألناهم عن الجانب المجهول، وجههم الآخر، ومشاعرهم الخفية.


رجل المطافئ: "عندما ننتهي من عملية الإنقاذ الناجحة أصلي شكرًا لله"

الحرائق خطر من المخاطر التي قد يتعرض لها أي مكان سواء بيت أو شركة أو مطعم أو مخزن أو شركة، الحرائق عملية تهدد سلامة الأشخاص لأنها قد تعرض الإنسان للوفاة، وتسبب خسارة المُمتلَكات، كما أنها قد تنتشر مسببة الكثير من الخسائر. كل دولة لديها رجال لإطفاء الحرائق، حيث يوجد شاحنات ومعدات تم إعدادها خصيصًا لعمليات إطفاء الحرائق، معظم الرجال الذين يعملون في الإطفاء مدربون ومعظم المعدات تم تجربتها لمرات عديدة ولخطورة تلك المهنة والمواقف الصعبة التي بالتأكيد يمرون بها. لنتعرف على حياة رجل المطافئ.

"صابر.ع" 39 سنة من قرية سنديون مركز قليوب عامل في محطة إطفاء قرية طنان تابعة لمركز قليوب.

حكى صابر: "أن طبيعة العمل في القرى أن يكون قليلاً لعدم وجود مصانع تساعد على انتشار الحرائق، ولكن بطبيعة ورش النجارة المشهورة بها القرية تنشب أحيانًا حرائق بها، وأيضًا حرائق ناتجة عن ماس كهربائي لكن بشكل أقل، وأغلب البلاغات تكون من ورش النجارة فقط. وفي الغالب يتعاون الجيران معًا ويقومون بإطفاء الحريق قبل وصول المطافئ".

وأوضح صابر، أن مهنته تمثل مصدر رزقه، وأنه يشعر بمسؤولية كبيرة في أي حريق يذهب له سواء في وجود أشخاص داخل البيت أو لا، وإن وجدوا أشخاصًا بالداخل يكونوا حريصين جدًا لإنقاذهم. وحتى لو المكان خاليًا أو فارغًا من السكان ينتابهم الخوف من أن ينتقل الحريق للبيوت الأخرى وبفضل الله يستطيعون السيطرة عليه، مؤكدًا أن أي حريق يتم الإبلاغ عنه لا بد أن نبلغ الإسعاف أيضًا بمكانه لاحتمالية وجود إصابات أو ضحايا.



أصعب الحرائق

وأشار صابر، إلى أصعب عملية حريق تعرض لها كان حريقًا في منزل بسبب ماس كهربائي وحاول الناس إطفاءه بالمياة فزادت النار اشتعالاً، وأكبر مأزق كان وجود أطفال داخل البيت في الدور الأخير وكانت النار حينها وصلت لكل أرجاء المنزل،  وأخذت عملية الإطفاء ساعة كاملة وتم فصل الكهرباء لتجنب ازدياد النار. وحينها كان لا بد من إنقاذ الأطفال من الموت سواء من النار أو الاختناق من الدخان، وبالتالي صعد صابر مرتديًا ملابسه الخاصة لتفادي أي خطر وبصعوبة وصل الشقة وبالفعل أنقذ الطفل ذي الخمس سنوات وعندما عاد لإنقاذ الطفل الآخر ذي الثلاث سنوات والذي كان في غرفة أخرى، مع الأسف وبمجرد دخوله الغرفة وجده متوفيًا مختنقًا من الدخان. وكان ذلك أصعب حريق بالنسبة له بسبب موت الطفل، موضحًا وجود حرائق أخرى صعبة لكن يتم فيها إنقاذ المصابين بالإسعاف بأقصى سرعة.

وذكر أن رجل المطافي يتم تدريبه على الإسعافات الأولية في حالة تأخر الإسعاف ليكون على دراية بكيفية عمل إنعاش للقلب إذا توقف، وكيفية التخلص من أثر الخنقة من الدخان وهكذا. فرجل الإطفاء في ظروف معينة يتحول لمسعف ويكون هو المنقذ والمسعف للحالات في الوقت ذاته.

قضاء الله وقدره

عندما يتم إبلاغنا عن مكان يحتاج المطافئ، يذهب كل شخص في المركز وهو لا يضمن رجوعه سليمًا أو مصابًا، ففي عملية ما في ورشة نجارة كانت مليئة بالخشب والتي أخذت أكثر من ساعة في محاولة للسيطرة عليها، أمسكت النار برجل من المركز أثناء العملية وتم إنقاذه، لكن حينها كان تعرض لحروق في منطقة الفخذ والصدر وذهب للمستشفى وأخذ الكثير من الوقت حتى يتعافى ويعود للعمل مجددًا.

هذا الموقف أثر فيه بشكل كبير وجعله عند الذهاب لأي عملية يفكر هل سيعود سليمًا أو سيعود من الأساس أم سيتوفى في الحادث مثلما حدث مع زميل له في نقطة إطفاء قليوب، لكن  المسؤولية تحتم عليهم الذهاب لإنقاذ الموقف وعدم التخاذل أمام أرواح الكثير من الناس، وعندما ينتهي من عملية الإنقاذ الناجحة لا بد أن يصلي شكرًا لله لنجاتهم منها.

وفي الكثير من الأوقات تتأثر نفسيته كثيرًا بعد الحرائق الصعبة وقد يصل لحالة لا يكلم فيها أحدًا في المنزل أو لا يعمل لفترة يمكن أن تصل لأسبوع كامل وذلك بسبب ما يراه ويتعرض له، وأضاف أنهم حينها يشعرون بأن الدنيا قد أصبحت سوداء في أعينهم لكن بفضل الله تمر الأيام عليهم بلطفه.


ما معنى أن تكون مسعفًا؟

حين يكون الإنسان أحوج ما يكون لأن يرسل الله سبحانه وتعالى له من ينقذ حياته، تكون المشاعر والأمنيات والآمال ممزوجة بالآلام والرجاء والعرفان.. فيا ترى ما هو شعور المسعف في تلك المواقف؟ وكم يتحمل من مشاق الحياة وصعوبات هذه الوظيفة؟ وكم مرة مر بمواقف مستعصية دون تقدير مجهوداته؟

عندما تحدثنا مع مصطفى العامل بنقطة إسعاف المعادي، وسألناه ما الذي ساقه للعمل بالإسعاف قال: "بعد الثانوية العامة، التحقت بمعهد فني صحي شعبة خدمات صحية لمدة سنتين، وبعد التخرج تم تكليفي بالعمل في طوارئ المستشفى، وذلك ما لم أتحمله، فقمت بعمل إخلاء طرف للالتحاق بهيئة المسعفين".

وأضاف مصطفى، أن مهنة المسعف أخف نفسيًا من مهنة الممرض، فيحب أن يخفف عن المرضى لفترة قصيرة ويساعدهم حتى يوصلهم لبر الأمان بالمستشفى، فما عاناه في الاستقبال لا يحتمل فرأى ظروف نقص الأدوات الطبية حتى البديهية منها، وعدم توافر الأسرّة للمرضى، أما معاناة الفقراء فلها فصل آخر من الحكايات.


نواقص المنظومة

وأوضح مصطفى، أن بعد انضمامه لنقابة العاملين بهيئة الإسعاف، وجد أن أدوارها صورية، فلا يوجد أي سبيل للدعم النفسي، وحتى من يريد ترك المهنة والرجوع للعمل بالمستشفى يعاني من أجل إتمام الإجراءات، تتمثل أغلب وظائفها في توفير الدورات التدريبية لهم.

أتى مصطفى إلى القاهرة من محافظة سوهاج حيث تختلف الظروف تمامًا، كان يحصل على بدل نقدي شهريًا بقيمة 300 جنيه في ظل وجود بلاغات قليلة في سوهاج لتشاؤم أهالي القرى من الإسعاف لينصدم من عدم وجوده في العاصمة، فهو كان يعمل بمناوبات نصف يوم كأطول مدة هناك، لتصل مدة المناوبة هنا في القاهرة إلى عدة أيام بدون نوم.

وجاء قرار إنشاء هيئة العاملين بالإسعاف ليزيد الطين بلة، ففي السابق كان يحصل المسعف على نسبة ١٠٪ من أموال توصيل الحالة الواحدة، والسائق على ٥٪، ليتم نسف كل ذلك، وتذهب هذه النسبة للهيئة ليحصل المسعفون على مرتباتهم الثابتة فقط.



قصص لا تنسى

وأشار مصطفى، إلى مروره بتجارب كثيرة هناك بعض الحالات المؤلمة التى لم تفارقه، فيستعيد شريط ذكرياته بإحدى أوائل الحالات التي رآها وهي حالة رضيع لقيط وجده الناس بالأراضي الزراعية بسوهاج، وهو مشوه من هجوم الفئران عليه، حاول المحافظة على تنفسه حتى أوصلوه للمستشفى، فلم ينس وجهه أبدًا.

وهناك أيضًا حالة الطفل رحيم الذي يوصله الإسعاف في حالة إعيائه من أجل جلسة غسيل الكلى، وعندما تعرف على قصته أشفق عليه أكثر، فوالده تركه هو وإخوته وأمه، واضطر للعمل كسائق توكتوك بعد المدرسة من أجل ثمن جلساته، بالإضافة إلى حالات كبار السن بلا أولاد يرعونهم فكلما احتاجوا شيئًا استدعوا الإسعاف لمساعدتهم.

مر مصطفى أيضًا بمواقف بها قدر من العبثية مما يحيره من طباع الناس، فأخبره مشرفوه في بداية عمله بالإسعاف قاعدة: "المريض وأهله دائمًا على حق"، فإذا أهانه أو سبه أحد لا يمكنه الرد عليهم، ولا يمكنه فعل شيء سوى تأدية عمله، فيلجأ في هذه المواقف لتخويف المسيئين بعواقب قانونية على شاكلة التعدي على موظف حكومي أثناء تأدية عمله، ولكن في الحقيقة لن ينصفه أحد إذا تم التعدي عليه، لذا يحاول التركيز على نقل المريض رغمًا عن الظروف المحيطة.

وفي النهاية سألناه إذا أراد ترك وظيفته في يوم ما، فقال: "إنها أصبحت جزءًا منه، فهي تجعله يشعر بجدوى وجوده في الحياة، وأن ما يمر به مع المرضى، لا يساوي ما يمرون هم به".

 

ممثل مسرح: "أترك مشاعري عند باب الكالوس ولا يشغلني سوى أداء الشخصية"

بدأ "أ.ح" حديثه قائلاً: "عندي 22 سنة ممثل في مسرح جامعة القاهرة منذ عامين، حبي للتمثيل دفعني للتقديم في اختبارات المسرح وتم قبولي وبدأت أشاهد مسرحيات كثيرة قديمة وحديثة حتى أحصل على الخبرة الكافية، بدأ المسرح يؤثر في حياتي الشخصية خصوصًا عند الجلوس مع أصدقائي فأتقمص شخصيات المسرح وأتحدث لهم بها على سبيل الفكاهة فيتلقون ذلك بالضحك أحيانًا والسخرية أحيانًا أخرى، ولكن هذا لم يمنعني من الذهاب للمسرح والبروفات، شخصيتي في الفترة التي عملت بها في المسرح تغيرت كثيرًا فتعلمت كيف أتصرف إذا وقعت تحت ضغط لأن في المسرح أحيانًا تحدث لك بعض الوقفات التي تحتاج لسرعة بديهة وقراءة جيدة للموقف".

وأوضح "أ.ح" قائلاً: "ذات مرة حدث خلاف بيني وبين أحد أفراد عائلتي وكان لدي بعدها بيومين عرض مسرحي، وأثناء العرض وقع نظري على هذا الشخص في الحضور فتأثرت وكنت على وشك السقوط في خطأ تمثيلي كاد أن يجعلني خارج الفريق لعدم تركيزي وفصل حياتي الشخصية عن المسرح كما دربنا المخرج ومعاونوه، بعد هذه الواقعة تعودت على ترك مشاعري عند باب الكالوس والذهاب إلى خشبة المسرح لا يشغلني سوى أداء الشخصية كما يجب أن تكون".

وأشار"أ.ح"، إلى نظرة استنكار من أصدقائه أحيانًا ويقولون كيف تقبل أن تؤدي بعض الأدوار المهينة والتي تحتاج فيها إلى النوم على الأرض والصراخ، وأحيانًا يعيبون إلي بالأدوار التي أُضرب فيها ويقولون أنه ليس لدي كرامة، فتجنبت تلك النوعية التي لا تستطيع أن تتفهم أن هذا كله تمثيل وفن ولا عيب في التعرض لبعض العقبات في البداية كي تصبح نجمًا مشهورًا، كما أن هناك أيضًا نجومًا كبارًا يتعرضون لما أتعرض له على خشبة المسرح ويصفق لهم الناس ويهتفون بأسمائهم، وبالإضافة إلى شغفي هذا ما يصبرني على مواصلة الأداء والوصول لحلمي.


المهرجة: "أكملت فقرتي والدموع في عيني"
المهرج.. مهنة ظاهرها غير باطنها

بدأت "م.أ" حديثها قائلة: "أنا عندي 25 سنة أعمل مهرجة في سيرك الحلو منذ خمس سنوات تعرضت فيهم لشتى أنواع الضغط النفسي الذي تستطيع تخيله، ولكن لا أستطيع ترك مهنتي خصوصًا في تلك الأيام كما أنني أيضًا لا أعرف أي مهنة أخرى أستطيع كسب لقمة عيشي منها، فكان أبي يعمل في السيرك ذاته لذلك لا أعرف أي مكان آخر أو لم أمتهن أي مهنة يدوية، كان أبي يطعم الحيوانات وحين توفي لم أستطع ترك المكان حتى لا تفارقني روحه المتعلقة هنا".

وتابعت "م.أ" قائلة: "ابنتي الصغيرة سبب مواصلتي في الحياة بأكملها وليس السيرك فقط وأريدها أن تصبح ذات شأن في المهن المرموقة حتى لا تشقى في الحياة، فقد عانى والدها من صغره. عندما كنت في العشرين من عمري كانت أول مهمة لي في ثوب المهرج، في البداية كنت شغوفة إلى حد ما ولكن ما أن أسدل الستار وسرعان ما قابلني الأطفال بكل سخرية واستنكار ولم يكن هناك من يرحب بي كثيرًا أو يدعمني حتى بابتسامة".


خيبة أمل

ولفتت "م.أ"، إلى تغير نظرتها قليلًا عن فكرة المهرج من شخص يسعد الناس إلى مادة للسخرية، مضيفة: "قلت لنفسي إن الأطفال لا يدرون شيئًا ومر اليوم، ولكن بعدها بعشرة أيام تقريبًا تم استدعائي لأداء عرض ترفيهي للصغار والكبار قبل فقرة الأسد، حينها تشجعت لأن أولياء الأمور سيشجعون أبناءهم على تشجيعي ولكن خاب ظني حتى في أولياء الأمور؛ فقد استقبلوني بعبارات سخرية وإهانة فأكملت فقرتي والدموع في عيني، لكن لم أستطع ترك العمل كي أعيل والدتي بعد موت والدي، ومن حينها توالت العروض فكان بعضها يسرني والآخر يحبطني ولكنني تأقلمت على أفعال الكبار قبل الصغار".

واستكملت: "ما يحدث لي في العمل لا أشاركه مع أهل بيتي ولا أحكيه لابنتي حتى لا تحزن من أجل والدتها، لا تؤثر مشاكل العمل على في حياتي الشخصية فأنا أترك أحزان العمل مع خلع ملابسه عند باب السيرك وأذهب إلى بيتي صافية الذهن، ولكني أخشى يومًا ألا أستطيع تحمل الكثير وأفقد أعصابي".

 

مغسلة موتى: "شعور متناقض ما بين القوة والرهبة"

ذكرت المُغسلة "فاطمة حمدي" التي تبلغ من العمر 49 عامًا ومارست المهنة منذ 14 عامًا، بعض المواقف التي تعرضت لها أثناء ممارسة المهنة، بدايةً من دخولها غرفة الغُسل وحتى شعورها وأغرب المواقف التي تعرضت لها. في بداية حديثها أوضحت كيف تقوم بغُسل المتوفى والتحضيرات التي تقوم بها، من تجهيزات الغسل كالخشبة والمياه الفاترة والصابون والعطر والكفن وما إلى ذلك، وتجهيزات المتوفى نفسه، بدايةً من وضعه على الكفن وحتى الانتهاء من غسله، ويجب وجود أشخاص لمساعدة المغسلة لأن هذا العمل يتطلب السرعة والإتقان، ويستحب أن يكونوا من أهل المتوفى.

وتصف إحساسها حينها، موضحة أنها عندما تقف في هذا الموقف يملؤها شعور قوي يهيبه هذا المشهد العظيم وهي تقوم بتغسيل وتزيين شخص ليقابل الله عز وجل ملك الملوك، فهو إحساس وشعور غريب ومتناقض وله رهبة غريبة، وتتأكد أن كل شيء تم على ما يرام دون وجود غلطة لأنها أمانة بين يديها. وتشعر في الموقف نفسه أن الله يلهمها قوة ويثبتها كي تكرم الميت دون خوف، فهي لا تشعر بالخوف أبدًا وقتها، ولكن عندما تجلس مع نفسها تستغرب تلك القوة التي كانت فيها، وتشعر أن الدنيا فانية أمام تلك اللحظة، وأن كل نفس ذائقة الموت، وهذه اللحظة أو المشهد ليس عابرًا بالنسبة لها ويؤثر فيها على المدى الطويل، وعلى الرغم من ذلك تقوم بممارسة هذه المهنة بحب وعطاء وأمانة. وعلى الرغم من حبها وإيمانها بتلك المهنة إلا أنها عندما تنتهي منها وتذهب لمنزلها تصبح شاردة متعبة ومتأثرة نفسيًا خاصة إذا كان المتوفى قريبًا لها، قائلة: "أنها تذهب للغسل شخصًا وتعود شخصًا آخر تمامًا".


مواقف غريبة

واستكملت حديثها، بأغرب المواقف التي تعرضت لها أثناء قيامها بالغسل، قائلة أنه أثناء قيامها بغسل والدتها كانت تقوم بخلع الحلق من إحدى أذنيها وقالت لمساعدتها أن تقوم بخلع الحلق من الأذن الأخرى، فقامت المغسلة بخلع الحلق بسهولة في حين لم تسطع المساعدة فك الحلق على الرغم من أنه مفتوح وسهل، فذهبت المغسلة كي تخلع الحلق إذ فوجئت بأن والدتها تقوم بتحريك رأسها وقامت بخلع الحلق بسهولة، وكانت خفيفة جدًا رغم ثقل حجمها، وكعب قدميها أبيض عن العادة. مشيرة إلى الموقف الآخر أثناء غسلها لعمتها، وقعت عمتها في أحضانها وكأنها خائفة، فقامت بالدعاء لها في أذنها والتكبير، فاستراحت واستقامت وكأنها كانت تريد سماع هذه الدعوات لتطمئن. فالمتوفى ترد فيه الروح ويشعر بكل شيء يحدث في ذلك الوقت.

 

 

عن الجانب الآخر من حياة الطبيب النفسي

يتميز الطبيب أو الأخصائي النفسي بطبيعة الحال أنه من يقوم بالاستماع وتقديم الحلول ومتابعة الحالات وامتصاص كم كبير جدًا من المشكلات ومعرفة أفكار ومشاعر مرضاه والتعامل معها وتحليلها وتقديرها، ولكن هل تساءلنا عما يشعر به الأخصائي النفسي؟ وهل يمكن أن نتوقع من يسمع الأخصائي مثلما يسمع هو الناس؟ كيف يتعامل مع الحالة النفسية السيئة إذا مر بواحدة؟ كيف يرى مسؤوليته ومهنته؟ الأخصائية النفسية إيمان موند مسؤول قسم الصحة النفسية والتأهيل السلوكي بالمعهد البريطاني FBI بالإسكندرية تجيب عن تلك الأسئلة وتتحدث من الجانب الخفي.

قالت إيمان، الاخصائي النفسي يواجه الضغط والمشكلات ويصيبه الاكتئاب أحيانًا، وهو أمر مفروغ منه، ويواجه الأخصائي ذلك عن طريق "المناعة النفسية"، والمناعة النفسية هي كيفية حماية الشخص لنفسه من الإصابة بمثل ذلك، والإنسان العادي معرض لها بشكل أكبر لأنه ليس على دراية بالحلول المتعددة مثل الأخصائي، فالإنسان عندما يذهب للأخصائي النفسي يحكي له مشكلاته ليساعده في الحل، فيمتص الأخصائي الطاقة السلبية عند المريض ويحولها لطاقة إيجابية ويحاول وضع الحلول ودعم المريض، وبعد أن يفرغ الأخصائي من الجلسة النفسية مع المريض، هناك بعض الأشياء التي يقوم بها كأخصائي يعرفها بحكم عمله، وهي تفريغ تلك الطاقة، وهو ما يحميه من التعرض للضغوط النفسية.


العلم شيء والتطبيق شيء آخر

وأضافت "موند"، أن الأخصائي قد يحتاج للتحدث مع أحد، ولكن العلم شيء والتطبيق شيء آخر، فمثلاً يكون على دراية بالاضطرابات النفسية وتعريفها وأعراضها وأسبابها وعلاجها والجانب الأكاديمي بشكل عام، فعند التطبيق يحاول الاستفادة من دراسته وعلمه ويستخدمه مع ذاته.

فضربت المثل بمرض الاكتئاب وقالت: "إن الاكتئاب مثلاً له ٤١ نوعًا، فالشخص العادي لا يمكن أن يحدد أي نوعٍ يعاني منه ويصف أعراضه فقط وفي الغالب يكون النوع العشوائي والمنتشر، ولكن الأخصائي يكون على دراية بالنوع الذي هو مصاب به ويبدأ بعلاج نفسه بالعلاج السلوكي المعرفي ويضع خطة علاجية لنفسه، فإذا احتاج إلى التحدث مع أحد يختار أصحاب الثقة وقد يكتفي بنفسه وطريقة تعامله مع مشكلته إذا لم يحد من يتحدث له أو لم يرد القيام بذلك، وقد يلجأ الأخصائي لمتخصص آخر إذا لم يستطع التعامل مع حالته الشخصية أو احتاج إلى تدخل دوائي ولكن ذلك يحدث بنسب بسيطة، فالأخصائي يعالج نفسه بنفسه".

وأكدت "موند"، أن بعض الأخصائين يصابون بأمراض نفسية بسبب ما يواجهونه داخل المهنة في الغالب، وأولئك يضطرون إلى طلب المساعدة وقد تصل حالتهم للدخول إلى مصحات نفسية أو دور التأهيل السلوكي.


حالات مؤثرة

وذكرت "موند"، بعض الحالات التي أثرت بها ولمستها وأحزنتها، قائلة إنها عملت في مجال الإدمان لفترة كبيرة وخصوصًا مع الفتيات، وحكت أنه كان هناك حالة صاحبة ٢٧ عامًا مدمنة على الهيروين، قامت بقتل ابنتها الصغيرة لأنها كانت تبكي، موضحة أن تفاصيل القصة مؤلمة وصعبة بكل مراحلها وحتى يوم تلك الحادثة.

وذكرت حالة أخرى لأم لديها فتى في سن المراهقة المتوسطة، والذي قام بإشعال النار بها وهي نائمة بسبب ضربها له دائمًا، فتسبب لها بحروق من الدرجة الثالثة في الجانب الأيمن بالكامل من جسدها، وذكرت إيمان أن مجرد ذكر تلك القصص بشكل موجز يقشعر الأبدان، ولكن تلك قصص واقعية ومؤلمة بشكل أكبر على الواقع وبتفاصيلها المتعددة وأنها رأت ما هو أسوأ من ذلك في مهنتها.

وأشارت "موند"، إلى محاولتها بشدة ألا ترى الجانب السيئ في الأشخاص أو تركز عليه رغم حقيقة أن الإنسان مؤذٍ في أحيان كثيرة، مضيفة أن الاضطرابات النفسية قد تنتج عن الترفيه أو العنف الزائد، فإن المراهق الذي أشعل النار في والدته أثناء نومها كان يتعرض لعنف شديد وضرب مبرح لدرجة النزيف من أجزاء جسمه المختلفة، فكان أول من قام هو بإيذائه الإيد التي قامت بضربه.


مسؤوليتها تجاه المرضى

وأوضحت "موند"، أنها تشعر بمسؤولية كبيرة على كاهلها تجاه المرضى للوصول بهم إلى بر الأمان، ومساعدتهم في كل الجوانب، فعلى سبيل المثال إذا كان سبب معاناة إحدى الحالات هو عدم وجود فرصة عمل، تحاول البحث لها عن عمل عن طريق التواصل مع علاقاتها والأشخاص المقربين وتحاول مساعدتهم بشكل حقيقي وملموس وبعيد المدى وليس فقط الاكتفاء بالجلسات.

وتابعت "موند"، أنها مسؤولية ضخمة وعظيمة لا مكان فيها للتخاذل أو السرعة أو عدم الضمير أو التركيز على الجانب المادي، مؤكدة أن هدفها الأول والأساسي هو مساعدة الحالة من كل الجوانب والاطمئنان عليها، مشيرة إلى أن هناك بعض الحالات لا تريد مساعدة نفسها، فتسلّم بأنها قامت بالمحاولة ولكن الحالة ليست متقبلة.

وذكرت "موند"، أن هناك بعض الحالات التي شعرت أن التعامل معها أعلى وأكبر من قدرتها، مثل أصحاب المعتقدات الدينية الغريبة أو الملحدين، فعلى سبيل المثال يكون من الصعب عليها أن تتمالك نفسها إذا قام أحدهم بالخطأ في حق القرآن الكريم أو التشكيك في المعجزات السماوية، فتكون أشبه بالمناظرة وجهًا لوجه وهو ما أكبر من قدرتها النفسية واحتمالها، وأيضًا الحالات غير المعترفة بمشكلاتها يكون من الصعب التعامل معها.


صفات الأخصائي القوية

وإلى جانب الصفات العلمية، هناك مواصفات شخصية ونفسية معينة في الطبيب أو الأخصائي النفسي تجعله قادرًا على مواصلة المهنة، فأوضحت إيمان أن الأخصائي يجب أن يمتلك ما يسمى بـ"المتانة النفسية"، يجب أن يكون "متينًا" لأنه سيواجه مواقف صعبة وكارثية، فقد يفاجأ أن جاء إليه مرتكب جريمة طلبًا للعلاج، فيجب أن يكون صلبًا في مواجهة تلك المواقف ولا يعرف الخوف، فلا يجوز للأخصائي أن يكون خجولاً أو يشعر بالحرج في مواجهة الحالة أو خائفًا أو غير قادر على استدراج المعلومات منه وخصوصًا في الحالات التي يصعب عليها التحدث بسهولة، فتلك المهارة ضرورية وتحتاج إلى شخصية قوية. ومن المهم أيضًا ألا يتميز الأخصائي بعاطفة شديدة تؤثر على عمله، فالحالات يمكن لها أن تقوم بالبكاء أو تصاب بالإغماء وقد تكون الحالة من أصحاب الاحتياجات الخاصة التي يتعاطف معها أي إنسان، فيجب على الأخصائي أن يكون متماسكًا وعمليًا بشكل أكبر، وذلك لا يعني أن يكون قاسيًا بل قادرًا على التحمل وأحيانًا يتميز بصفات قيادية وثقة بالنفس.

ووصفت إيمان مشاعرها عندما تلاحظ التحسن بشكل تدريجي على الحالات التي تتعامل معها، فقالت إنها عندما تصلها الرسائل التي تعبر لها عن الامتنان والشكر، تشكر الله على تحقق ذلك و"تصفق لنفسها" تقديرًا لها على ما بذلته، وتسعد بتقدير الناس لها وتشعر بدفعة وشجاعة ورغبة في مساعدتهم مرارًا وتكرارًا ومساعدة عدد أكبر وأكبر من الناس، وتتضاعف مشاعرها نظرًا لصغر سنها.

وأكدت "موند"، أن ما تقدمه للمرضى يكون مجانيًا في الغالب، فهدفها الأساسي هو المساعدة وتقديم يد العون لمن يحتاجها ورفع العائق المادي من طريقهم، مضيفة أن ذلك يشجعها على التطوير من نفسها فهي مقتنعة بأن الفرد يجب أن يستمر في الدراسة وتلقي العلم وهو ما ينطبق على جميع المجالات.





طبيب جراح: "حبي لمساعدة الناس هو السبب وراء التحاقي بكلية الطب"

في مستشفى زايد التخصصي، دخل الدكتور محمود مسرعًا نحو غرفة العمليات لإجراء عملية جراحية لشخص مصاب في غضروف قدمه الأيسر. وبينما كان المريض في حالة مبررة من الخوف من عدم نجاح العملية، فإن الدكتور محمود كان هادئًا وانصب تركيزه بشكل كامل على إتمام العملية بشكل سليم حتى يتمكن المريض من العودة إلى ممارسة كافة الأنشطة مرة أخرى. وبعد ساعة، توجه الدكتور وعلى وجهه ابتسامة عريضة نحو عائلة المريض وأكد لهم أن العملية قد تمت بنجاح الحمد لله. وغمرت عائلة المريض حالة من الفرحة جعلته يدرك أهمية هذه المهنة.


حب لمساعدة الآخرين

في حديثنا مع الدكتور محمود خليل، جراح عظام، قال لنا إن السبب وراء التحاقه بكلية الطب هو حبه لمساعدة الناس وليس لأغراض مادية، مؤكدًا أن من الأخطاء التي يقع فيها الكثير من الأطباء الجدد هو تغليبهم للجانب المادي على الجانب الإنساني وعلى حد تعبيره "التخصصات اللي فلوسها كتير".

 وأضاف محمود، أن من أصعب اللحظات التي مرت عليه طوال فترة مزاولته لمهنة الجراحة هي أثناء قيامه بعملية تغيير مفصل حوض كامل لمريضة تشوه خلقي في "جدار الحُق الحرقفي" التي نتج عنها قطع في الشريان الرئيسي للطرف السفلي، فقام بالاستدعاء الفوري لجراح أوعية دموية لمساعدتهم في إتمامها وبفضل الله تم إعادة توصيل الشريان. وأكد أن الخوف والتوتر قد نالا منه في تلك المرة، وأنه لولا تيسير الله لما نجحت هذه العملية.


ما لا يعرفه الناس عن موظف خدمة العملاء

رغم صعوبة تلك المهنة وضغوطاتها، وتعرض موظف خدمة العملاء لأسوء معاملة من العملاء المتصلين بهم بالرغم من أنهم ليس لهم أي يد في المشكلة التي تواجه العملاء، يكمل الموظف عمله تحت ضغط كبير جدًا من بيئة العمل وأيضًا العملاء. ويستغل بعض الناس أن المكالمة قد تكون مسجلة ويواصل في سب وشتم الموظفين وهو على معرفة بأنه غير قادر على الرد عليه والوقوف له لهذا السبب.

روت رضوى عبد الغني البالغة من العمر 21 عامًا عن تجربتها في مجال الكول سنتر وصعوباته التي واجهتها، موضحة أن في أول فترة لها في ذلك المجال عندما كانت تتعرض للمضايقات من العملاء من تعصب أو سب كانت تقوم بإغلاق المكالمة وتتعرض للضيق الشديد من طريقة العملاء السيئة معها وكانت لا تقبل ذلك على الإطلاق، ولكن بعد وقت قليل في تلك المهنة انتابها الهدوء رغم استمرار تعرضها للمضايقات، وكأن العميل يوجه عصبيته لها وليس للشركة المشتغلة بها. مستطردة حديثها عن التأثير النفسي لتلك المضايقات فكانت نفسيتها سيئة للغاية وتتعرض للضغظ الشديد وأيضًا الضيق طوال الوقت من العمل ذاته والعملاء الذين يسبون ويشتمون بدون أدنى داعٍ وكأنها هي سبب المشكلة التي يتعرضون لها.


احتواء العميل

وعن احتوائها للعميل وقت غضبه أوضحت أنه عندما يكون العميل منزعجًا أن النظام يتصل به أكثر من مرة تقوم بالتوضيح له أنها ليست من تتصل به إنما نظام الشركة هو الفاعل وبطريقة أوتوماتيكية دون تدخلها في ذلك فهي فقط تستقبل المكالمات من النظام، وعن المشكلة التي تواجه العميل تقوم بالاعتذار له عن ذلك وعن الضيق الذي يشعر به وتستمع إليه وتحاول إقناعه وإن لم يقتنع فتعتذر ثانية وتنهي المكالمة.

وأضافت "عبد الغني"، أنها لم تقدر على المواصلة في تلك المهنة بمتاعبها، لكنها إن أكملت فيها فتتمنى أن تجد فريق عمل جيد يقوم بدعمها في العمل حتى تستطيع أن تكمل عملها تحت كل الضغوطات. مضيفة أن رجل خدمة العملاء يحب أن يكون متبلد الأعصاب ولا يتأثر بعصبية العملاء والشتائم ويكون لديه المقدرة على أن يهدئ العميل ويحتويه ويحتوي الموقف ويكون عنده القدرة على أن يستخدم الكلام بطريقة جيدة تنسي العميل مشكلته وتجعله يهدأ.


طموحات وآمال

وأوضحت "عبد الغني"، أن تلك المهنة تعلم الصبر واكتساب الخبرة بالتعامل مع أنواع كثيرة ومختلفة من الناس. وعن آمالها في تلك المهنة أن يكون صاحب العمل أو قائد الفريق متعاونًا وقادرًا على أن يحتوي الموظفين ليكونوا قادرين على أن يكملوا عملهم، ويقوم بدعمهم ويشجعهم على التطوير من أنفسهم بطريقه مناسبة، وتحسين نظام العمل فيكون أسهل مما هو عليه، وإقامة حملات توعية للعملاء بأن الموظفين مجرد أشخاص يحاولون مساعدتك في حل المشكلة وبالتالي أسلوب تعامل العملاء سيكون أفضل وسيقل الضغط على الموظفين.

 

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

شاركنا برأيك

Back to top button