تأكد أن صدقتك في مكانها الصحيح
من المؤسف تحول "الشحاذة" في مجتمعنا
إلى مهنة، تجلب لمن يمارسها أموالاً طائلة، نتيجة استدرار عطف الناس بكافة الوسائل
والطرق؛ ليعطوهم ما في جيوبهم وحقائبهم.
لكن من
الفظاظة أن نجد سيلاً من الشحاذين يجلس أمام بيوت الله، لا سيما قبل وبعد صلاة
الجمعة وجهتهم المفضلة، ليخترعوا قصصًا وهمية لم تحدث إلا في وحي خيالهم؛ لإقناع الناس بضعفهم وهوانهم للحصول على الأموال.
ادعاء المرض لجلب المال
أصبحت "الشحاذة" ظاهرة مقززة،
ولكن الأكثر قبحًا هو المتاجرة بحاجات وهموم الناس بكافة الطرق، فتقول أسماء محمد، خريجة كلية
دار العلوم، إنها ترى الكثير من الناس يدعون المرض والإصابات "لحبك اللعبة"،
وآخرين يمثلون أنهم فقراء ويدمنون الذل رغم أن الإسلام يرفض التسول ويدعو إلى
التعفف والعمل، فرب العزة وصف حال الفقراء بأنهم أغنياء في عيون الجهلاء إذ قال في
كتابه الكريم: "يحْسَبُهُمُ
الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ".
وأشارت عزة أحمد، مترجمة إسباني، إلى أحد مواقف السيارات التي تركب منها عند ذهابها إلى عملها حيث كانت ترى سيدة تقول "ساعدوني لوجه الله ابني هيموت وعايزة أعمله عملية في القلب"، وكانت تتعاطف معها وتعطي لها أموالاً في كل مرة تراها فيها ولكن ذات مرة وجدت الناس تتشاجر مع تلك السيدة قائلين لها: "أنتِ كل دة لسة معملتيش العملية لابنك دا من سنين؟"، ومن ثم علمت أنها كانت تتاجر بابنها من أجل المال فقط.
ذكر محمود محمد، عامل في أحد
القطاعات الخاصة، أنه رأى في موقف السيارات سيدة ترتدي نقابًا تتخفى وراءه كي تقوم
بالتسول وتحصل على المال، وكانت تنتقل من سيارة إلى أخرى وبعد
أن تنتهي من مهمتها وتجمع كل المال التي تريده تكشف وجهها.
كما أضاف قائلًا:
"الشارع مليان مواقف من دي كتير"، مستكملًا بأنه يعلم بوجود أشخاص يحتاجون
للمال فعلًا، ولكن
كثرة الأشخاص المتاجرين بهذه المهنة جعلتنا نفكر كثيرًا قبل أن نعطي لهم مالاً".
غش وخداع
قال محمد سمير، خريج كلية حقوق، "إنه كان دائمًا يرى رجلاً كفيفًا ومعه
زوجته يستند عليها ويتسولان في الشارع يوميًا بحجة أنه كفيف ولا يستطيع العمل، وكان يتعاطف مع حالته ويساعده بالمال
وبعد فترة وجيزة اكتشف أنه ليس كفيفًا وكان يدعي ذلك".
ذكرت شهد محمد، إحدى طالبات جامعة القاهرة، أنها رأت أحد الشحاذين في المترو يجلس على كرسي متحرك ويقول إنه عاجز ويريد المساعدة لأنه لا يستطيع العمل وجلب المال لنفسه، وتعاطف معه الكثير وأعطوه المال وخرج من المترو فاستوقفه شرطي فقام على قدميه واقفًا وأتضح أنه سليم بدنيًا وليس عاجزًا وكان يخدع الناس كي يأخذ منهم مالاً، فأصبحت مهنته.
أشار أحمد ناصر،
طالب ثانوي، إلى عامل نظافة كان يراه يقتدي أجرًا
على مهنته ولكن بعد الانتهاء من مهنته يجلس في الشارع ويمد يديه للناس
بطريقة تستفزه، مع جُرأته بأخذ أي شيء من أيدي الناس العابرين إذا كان ذلك طعامًا أو
شرابًا، مضيفًا أنه يمتلك موتوسيكل ولديه شقة ملكًا له.
قالت شروق أمجد، إحدى طالبات جامعة حلوان، "إنها كانت ترى رجلاً عجوزًا يجلس ليلًا ونهارًا أمام إحدى العمارات في
حلوان ويشحذ من الناس، وكانت الناس تتجاوب معه، وفي يوم من الأيام لم تجد هذا
الرجل فسألت عنه قال لها أحد أصحاب المحلات المجاورة أنه توفي وأنه صاحب هذه
العمارة التي كان يجلس أمامها".
الصدقة ليست مكانها الشارع
ذكرت شيماء غراب، خريجة لغات وترجمة جامعة
الأزهر، عدة مواقف حدثت لها مع الشحاذين تحت هاشتاج "صدقتك مش مكانها الشارع" منها إنها ذات
مرة في وقت
خروجها من الكلية رأت طفلة وطلبت منها
"جنيهًا" لكي تشتري به شيئًا لتأكله، فاصطحبت الطفلة واشترت لها طعامًا
تأكله وكان رد فعل الطفلة غريبًا للغاية وألقت الطعام في وجهها قائلة "أنا عايزة جنيه".
وأضافت "غراب"،
أنها رأت طفلاً قال لها أريد "جنيهًا" وكان يلح كثيرًا فهي لم تتحمل وأعطته "جنيهًا" بالفعل، ومن ثم رأت ٥ أطفال آخرين مسرعين قائلين لها "وأنا كمان وأنا كمان"، فتركتهم وذهبت ومن ثم نظرت للخلف
وجدت شخصًا يقود "تروسيكل" ينتظرهم حتى يركبون معه.
وتابعت قائلة: "كنت أنظر من بلكونة منزلي
ورأيت سيدة تجلس على كرسي متحرك ومن ثم وقفت فجأة وحملت الكرسي وذهبت به".
واختتمت
"غراب" حديثها، وهي ذاهبة إلى
الكلية رأت رجلاً يبدو محترمًا ويرتدي ملابس نظيفة قائلاً لها: "لو سمحتي يا آنسة محفظتي وقعت وعايز جنيه علشان
أركب أتوبيس"؛ فتعاطفت معه وأعطته ٥ جنيهات، ولكنها استغربت عندما انتهت من
محاضراتها ورأته يطلب نفس الطلب من طالبات أخريات.
ومع تعدد الآراء على أن هذه الظاهرة "ظاهرة الشحاذة" ظاهرة تجارية فيُتاجر البعض على حساب
الآخرين، وقد حذّر النبي -صلى الله عليه وسلم- من هذه المهنة ونفّر منها؛ لأن
صاحبها يفقد كرامته في الدنيا ويسيء إلى آخرته؛ لما روى البخاري ومسلم أن النبي
-صلى الله عليه وسلم- قال: "مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ، حَتَّى
يَأْتِيَ يَوْمَ القِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ".
وبالرغم من ذلك أغلبنا يعلم أنه يوجد أشخاص
يمارسون هذه المهنة لعدم قدرتهم على الحصول على أموال لكي
يعيشوا بها، إلى جانب عدم قدرتهم البدنية على العمل، فهم في أمس الحاجة لهذه الأموال للطعام وهي أبسط حقوقهم إيجاد طعام
نظيف وآمن، وهذه المهمة تعود إلى المتخصصين في هذه الأحوال وهم العاملون في
وزارة التضامن وما يندرج تحتها من مؤسسات متخصصة،
مع نشر التوعية لإعطاء
الصدقة في الأماكن الصحيحة لها، لأنها تعرف الجهات والأشخاص التي تحتاج لهذه
الصدقة بالفعل.


إرسال تعليق
شاركنا برأيك