عمرو دوارة: "الأزمة الكبرى هي ضعف الميزانيات وندرة القيادات المثقفة الواعية ونقص أصحاب الخبرات"
ناقد مسرحي: "طلب نقل العروض المصرية لموسم الرياض ربما يعيد للدولة
عصر ازدهار المسرح"
كتب: ندى عبد المولى-
محمد أسامة
يُعد المسرح الذي يطلق
عليه البعض "أبو الفنون"، من أهم الوسائل الترفيهية في العصر الحديث،
حيث كانت البدايات الأولى في أواخر القرن التاسع عشر على يد رواد الرعيل الأول من
رواد المسرح المصري، ونذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر يعقوب صنوع وأبو خليل
القباني وسليم نقاش ومارون نقاش وسلامة حجازي.
ثم ما لبث أن شهد طفرة هائلة في أوائل القرن
العشرين على يد كوكبة من الرواد التنويريين مثل جورج أبيض ويوسف بك وهبي وسيد
درويش ونجيب الريحاني، إلا أن دور المسرح منذ بداية القرن الحالي قد شهد تراجعًا ملموسًا
مع قدوم الوسائل الترفيهية الأخرى كالسينما والتلفاز والمنصات الإلكترونية. وأصبح
الممثل المسرحي الآن في حيرة من أمره في ظل طغيان القنوات الجديدة وتناقص الموارد
التي تخصصها الدولة.
أصوات شابة مهدرة
قال الدكتور عمرو دوارة، الناقد
والمؤرخ المسرحي: "إنه لا يوجد أي نقص في المواهب الشابة، فأغلب المشاركين في
المسابقات والمهرجانات المسرحية هم شباب الفرق المستقلة وخريجو معهد المسرح، ولكنهم
يجدون صعوبة في تطوير أعمالهم والوصول بها إلى المشاهدين".
وأضاف "دوارة": "أصبحت
المهرجانات المسرحية بمصر والدول العربية خلال السنوات الأخيرة مجرد تظاهرات فنية
لتبادل الدعوات وبعض المصالح الشخصية خاصة بعدما افتقد كل منها لهويته المحددة ولم
يحرص القائمون على تنظيمه على تحقيق أهدافه الأساسية، فتكررت العروض وكذلك أسماء
المشاركين باللجان المختلفة وأيضًا أسماء الضيوف خلال الدورات المتتالية".
وأوضح "دوارة" أن جميع
الفعاليات لا تتكامل مع بعضها بعضًا، وأوضح مثال لذلك تلك الإصدارات التي يتم إصدارها
غالبًا بصورة سريعة ومستوى أدبي وفني متواضع وتلك الدورات والورش التدريبية التي
تنظم على مدى أيام ولا يشارك بها إلا عدد قليل من المتدربين.
غياب القيادات المسرحية
انتشرت في
الآونة الأخيرة مقولة "اختفاء الكاتب المصري المسرحي" فأخبرنا عصام
الشويخ، مدير فرقة الساحة المسرحية، أن أهم وأشهر مؤلفي المسرح ظهروا بسبب دعم البيت
الفني للمسرح الذي دشنه المدير السابق أسامة أبو طالب قبل 20 عامًا، والذي أنتج 20
كاتبًا تم تقديم عروضهم لأول مرة منهم أسامة نور الدين وكرم محمود عفيفي وتم عرض
أعمالهم على مسرح الطليعة، بينما في وقتنا الحالي المعضلة هي غياب القيادات
الواعية وبالتالي غياب للخطط المنهجية والاستراتيجيات المحددة.
أزمة التمويل والعائد
يمر المسرح المصري اليوم بظروف صعبة وأزمة
إنتاجية كبيرة وأهم مظاهرها تقليص ميزانيات الإنتاج وبالتالي عدد العروض التي تقدم
بكل موسم وخاصة تلك العروض الكبيرة، فرق القطاع الخاص اختفت تمامًا ولم يصمد منها
سوى فرقة الفنان محمد صبحي وأحيانًا فرقة أحمد الإبياري.
وأشار "دوارة" إلى رفض كثير
من نجوم الصف الأول للعمل بالمسرح بعدما اجتذبتهم الأعمال السينمائية
والتليفزيونية، وكذلك الأعمال الفنية الترفيهية بدول الخليج العربي خاصة وأن
العائد المادي من المسرح ضئيل جدًا ولا يمكن مقارنته بالمجهود الكبير الذي يبذل
بالعروض المسرحية ولا العائد المادي من الأعمال الأخرى.
وأضاف "الشويخ"، أن هناك
أزمة باللوائح المالية الخاصة بالمسرح، فعند عرض مسرحية لمدة شهر كامل، فإن أعلى
أجر يتقاضاه المخرج لا يتجاوز 7 آلاف جنيه، وهو مبلغ زهيد بعد كل البروفات ومجهود
العرض، وهذا لا يتناسب مع أي من النجوم الكبار، لذلك لجأوا للعمل بالمسارح الخاصة مثل
"مسرح مصر" الذي قدمه أشرف عبد الباقي وحتى مع النجاح التجاري لتلك العروض،
لم يوازِها إتقان فني فهي ليست عروض مسرحية بل هي مجرد اسكتشات كوميدية تعتمد على الارتجال،
وهي في حقيقة الأمر تمثل ردة فني لأكثر من 100 عام.
ارتفاع الميزانية مقارنة بالأجر
قال يوسف ناجي، ممثل في مسرح الجامعة:
"إن الميزانية دائمًا تكون ضعيفة، ومطلوب من فريق الإعداد وضع ديكور عالي
الجودة يليق بالمهرجان الذي تخرجه، مع وضع إضاءة جيدة وملابس تتناسب مع القصة
وموسيقى تضيف الحبكة الدرامية للمسرحية، ومعلوم أن الاهتمام بهذه العوامل مكلف
للغاية حيث إن الميزانية في معظم الأوقات أضعف من أن تغطي كل هذا".
وأضاف "ناجي"، أن الزيادة في
الأجر رمزية للغاية وتكاد تكون منعدمة وذلك لأن العروض تكون في أغلب الأوقات
مجانية، على سبيل المثال فإن العروض المسرحية الجامعية عبارة عن نشاط طلابي مقام بدون
أجر، وهو تكليف يكلف به الطالب ويضاف لأعماله السنوية، أما العروض الجماهيرية فتكون
بأجر ولكن يوجد سقف لسعر التذكرة وذلك مراعاة لظروف الجمهور، فجمهور المسرح ليس
معه ماديات عالية.
مسارح الأقاليم
كشفت كارثة حريق بني سويف الكثير من السلبيات ليس فقط على المستوى الإداري ومنظومة الأمن، ولكنها كشفت سوء وضعف البنية الأساسية للمسارح خاصة بالأقاليم، وذلك مع انخفاض عددها والذي لا يتناسب أبدًا مع تعداد السكان.
وشدد "دوارة"، أن الأزمة
الكبرى هي ضعف الميزانيات وندرة القيادات المثقفة الواعية ونقص في أصحاب الخبرات
الحقيقية، فالإنتاج المسرحي بالأقاليم أصبح مجرد مسابقة سنوية للحصول على فرصة إنتاج
عرض وحيد لكل فرقة (قومية أو قصر ثقافة أو بيت ثقافة)، وذلك نظرًا لانخفاض الميزانيات
المخصصة للإنتاج المسرحي، أما عن الجمهور فهو دائم الحضور، ففرقة الورشة المسرحية
تقوم بعروض تحكي السيرة الهلالية بالصعيد والإقبال عليها كبير.
فرصة ثانية
كشف "دوارة" عن أن الانحدار بدأ
من سبعينيات القرن العشرين بمواكبة عصر الانفتاح وطغيان القيم التجارية وشيوع
السلوكيات الاستهلاكية.
فعندما كان يتربح نجوم الصف الأول من
العروض المسرحية، خاصة مع توافد السياح الخليجيين لحضور العروض، كان يتغير المحتوى
وفقًا لأذواقهم، فأصبحت أغلب الموضوعات التي تتناولها المسرحيات كوميدية وسطحية في
أحوال كثيرة، وذلك على النقيض تمامًا مما كان عليه شكل المسرح في زمن جورج أبيض ويوسف
وهبي.
بينما الآن يوجد اهتمام بنهضة الحركة الفنية
بالسعودية، وطلب نقل العروض المصرية لموسم الرياض يمكن أن تعيد للدولة عصر ازدهار
المسرح المصري بخطط مدروسة تعتمد على تدشين صندوق دعم المسرح المصري تحت إشراف
لجنة أمينة من المسرحيين تهتم بإقامة مواسم مسرحية لإعادة الزخم في العروض القومية
والمستقلة والخاصة.
قال أحمد حامد، ممثل في مسرح الجامعة: "إن
التقنيات المسرحية المتطورة غير موجودة، فخارج مصر توجد تقنيات حديثة مثل
الهولوجرام وغيرها، وتكمن المشكلة الأساسية في هذه التقنيات في ارتفاع تكلفتها
ولذلك لا تستخدم إلا من قبل النجوم الكبار القادرين على تحملها".
وأكد "حامد"، أن توفير هذ التقنيات
شرط لازم من أجل نهضة المسرح مرة أخرى، فالمسرح هنا يكتفي بالعمل بالعناصر البشرية
دون إقحام أي عناصر خارجية، واستخدام العناصر والتقنيات الحديثة ستحسن من أداء
المسرح حيث ستوصل فكرة المخرج إلى الجمهور بشكل أسهل كما ستزيد الشوق واللهفة لدى
الجمهور المشاهد.
غياب المواسم المسرحية
قال عبد الله
علاء، ممثل في مسرح الجامعة: "إن مشكلة غياب المواسم المسرحية المخطط لها شيء
سييء للغاية، فالموسم المسرحي عادة ما يكون 15 ليلة، وكانت من أهم العوامل
المساهمة في ظهور الممثل على الساحة الفنية، وذلك بسبب تواجد فريق استطلاع من المخرجين
والمنتجين والمؤلفين الكبار".
وأضاف
"علاء"، أن هذه المواسم كانت تضمن وجود دخل ثابت للممثل، وكان يتم إعادة
هذه المواسم مرة أخرى في حال نجاحها في المرة الأولى وهو ما يعني دخل أكبر وشهرة
أوسع، ولكن مع سوء الأحوال المحيطة، فإن عدم تواجد هذه المواسم أدى إلى دفن
المواهب المسرحية.


إرسال تعليق
شاركنا برأيك