قصص من الواقع تروي لنا معاناة الفواعلية بعد نزوحهم إلي القاهرة بحثًا عن المال
أحلامهم ليست كبيرة، لكن معاناتهم أكبر، حملوا هموم وأعباء
مجتمع تعامى عن وجودهم وربما أغفل مطالبهم الإنسانية أيضًا، أبطال قصتنا هم عمال
اليومية أو مايعرفون بـ"الفواعلية" المتمركزين بالعشرات على جانبي الطرق
وعلى مداخل المدن، ينتظرون بيع قوة عملهم كل صباح، يعيشون على الرضا، يفترشون
الأرصفة انتظارًا وبحثًا عن أرزاقهم وأرزاق أسرهم متقبلين استغلالهم وهضم حقوقهم
تحت سيف ضرورات الحياة التي لا ترحم رقابهم.
دخلنا إلى هذا العالم المليء بالأحلام المعطلة والحياة الطبيعية
لكن المؤجلة لكي نرصد همومهم ونرفع صوتهم وصرخاتهم لآذان ربما أصابها الصمم أمام عذاباتهم،
فأعدادهم كثيرة ربما أكثر من الأعداد المعلن عنها، حتى في تعداد تواجدهم تتذبذب
الأرقام، لكن عامل اليومية حسب تعريف الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، هو
عامل يعمل لدى الغير بأجر، ويكون هذا العمل هو مصدر دخله الوحيد.
على أحد الأرصفة رأيناه يتخذ الرصيف مقعدًا ويتحاور مع زملائه بينما عيناه تنظران هنا وهناك، وكأنه يبحث عن شيء، توجهنا إليه لنقترب منه، إنه "إسلام شاكر" البالغ من العمر 32 عامًا، واحد من عمال اليومية الذين يفترشون الأرصفة ويجلسون في الميادين والشوارع، متوكلين على الله سبحانه وتعالى، منتظرين أن يأتي إليهم أحد يطلب منهم فعلاً وتنفيذ مهمة يريدها ويطلبها منهم نظير الاتفاق على مقابل مالي يمنحه لهم.
يضيف لنا إسلام في حواره قائلاً: "ليس لنا مهنة أو حرفة أخرى
نعمل بها خلاف تلك المهنة ونخرج في الصباح الباكر كل يوم كي نعود بالمال من أجل
إطعام أبنائنا وتوفير احتياجاتهم، أعداد الفواعلية وعمال اليومية كبير جدًا وفي كل
الميادين العامة وأمام المساجد والجوامع هتشوفهم قاعدين ومعاهم عدة الشغل، والعدة
بتكون عبارة عن مطارق حديد وأزميل وبعض المعدات المستخدمة في هدم البيوت وأحيانًا
بنروح نشتغل نطلع رمل وزلط في الأدوار العالية، ولكن طبعًا يومياتنا بتكون أرخص من
الونش الكهربائي اللي بيكلف تأجيره ألفين جنيه".
أضاف لنا إسلام في حديثه، أنه ليس محترفًا أو متعلمًا أو
ممارسًا مهنة أو حرفة يدوية مثل مهن النجارة والحدادة وغيرها من المهن التي يستطيع
الاعتماد عليها بشكل مضمون لتوفر له المال الذي ينفق به على بيته ويصرف على نفسه
وعلى أسرته.
المقابل ليس مجزيًا لهم على الرغم من عملهم الشاق
نزح إسلام إلى القاهرة ليتحول إلى رقم يضاف للعمالة اليومية فى
عاصمة لا ترحم المهمشين، لأنه لا يحمل أي شهادة دراسية أو يجيد القراءة أو
الكتابة، ولأنه يريد أن يطعم هذه الأفواه التى تنتظره كل يوم، ويسدد إيجار الشقة
التى ازدحمت بأفراد أسرته، لم يجد أمامه إلا الشارع الذي يجمعه برفاقه لساعات
طويلة انتظارًا لمقاول أنفار أو زبون يستأجره باليوم.
وأوضح لنا إسلام، أنه من الأقاليم، من محافظة سوهاج تحديدًا، وأنه
جاء إلى القاهرة مع ابن عمه يدعى "محمود" ومعه أيضًا صديقه "إبراهيم
حسنين" من محافظة قنا، ولكنهما لا يعملان معًا وإنما يتوزعون في أماكن مختلفة
وعندما تأتي أحدهما مهمة تطلب منه من خلال أحد الزبائن، يخبر الآخر ويتجمعون معًا
لتنفيذ المطلوب منهم ويتقاسمون العمولة أو المبلغ الذي يحصلون عليه.
إنه الفارق والوعي الطبقي المغاير تمامًا من بيئة لأخرى، فمن السهل أن ترى أن هذا عمل وذاك عمل بالنهاية، ولكن عالم اليومية يختلف تمامًا عن عالم الراتب الشهري.
يكمل إسلام حديثه قائلاً: "طبعًا الشغل هنا مش كتير وأيام
مش بنلاقي شغل لمدة أسبوع ومش بنلاقي أكل كمان أحيانًا، بس هنعمل إيه مفيش حاجة
تانية نعملها، كمان خط الصعيد كله فرص الشغل فيه ما زالت قليلة، وكمان مش مجزية
ماديًا، أصحاب المحلات بيحتاجوا حد يقف يبيع طوال الشهر، وفي آخر الشهر يحصل على
2000 جنيه مرتب، طبعًا مبلغ ميكفيش حتى الأكل، وخصوصًا أننا متزوجين ولدينا أولاد
وبنات في مدارس يحتاجون لمصاريف دروس وهدوم خلاف المتطلبات الأساسية للبيت والزوجة".
وأضاف إسلام قائلاً: "ولذلك اضطررنا أن نترك الصعيد ونأتي إلى
محافظات القاهرة الكبرى القاهرة والجيزة والقليوبية عشان نلاقي أي عمل يدير لنا دخل،
بس للأسف حتى الشغل هنا نفس المرتب بتاع الصعيد 2000 جنيه، ولذلك قررنا نعمل في
هدم وبناء البيوت ورفع المؤن إلى الأدوار العالية في العمارات العالية، لكن هذا
العمل غير مضمون وغير مستمر ومهلك لنا ولصحتنا بشكل كبير، وسط الكثير من المخاطر
التي تحيط بنا أثناء العمل، وليس المقابل مجزيًا على الرغم من صعوبة العمل".
فئات تقف بصمت أمام واقعهم المضني وآلامهم الكثيرة
ما بين العمل المضني والجنيهات
المعدودة، ما بين نهار يمضي في شقاء وليل لا يعرف منه عامل الفواعلية إلا سواده،
يعيش هؤلاء بين قسوة الحاجة وسندان الإهمال وتهميش المجتمع لهم و ربما تغاضيه عن
حقوقهم في أبسط الحقوق وهو حق المسكن اللائق الكريم.
وأضاف إسلام قائلاً: "احنا مقيمين أنا وابن عمي وصاحبنا الثالث، في غرفة فوق السطح احنا وثلاثة كمان معانا في نفس الغرفة، والغرفة تعتبر صغيرة جدًا، وفيه منا اللي بينام على الأرض وبيفرش بطانية ينام عليها، لأن معندناش رفاهية نأجر شقة كاملة في عمارة، لأن الإيجار هيكون غالي جدًا علينا، و احنا عايزين نوفر عشان كل واحد مننا عايز يبعت فلوس للأسرة كمصاريف ليهم".
يجلس إسلام مستندًا على شجرة متذكرًا رفاقه من عمال الفواعلية
وسط بقايا الشاي وفتافيت الخبز وحبات الفول، وجهد المسحوقين من مدمني الخبز وحبات
الفول الذي رفع العمائر والقصور الفارهة لأصحابها المنعمين.
وأكد إسلام قائلاً: "أحيانًا يطلب منا عمل غير قانوني، في إحدى المرات واحد جالنا وطلب مننا نشتغل لمدة أسبوع وهيدينا 5 آلاف جنيه لكل واحد منا، ولما سألناه عن طبيعة العمل المطلوب منا، قال لنا هنحفر بحثًا عن آثار، وكان مطلوب مننا أن نحفر بدون ما نقول لحد، كمان في ناس بتعرض علينا إننا نشتغل في تهريب بودرة ومخدر الحشيش في عدة الشغل بتاعنا أثناء التحرك لمحافظات أخرى خارج القاهرة".
ويقول إسلام: "نحن فئة نريد أن نحيا بشرف، لا نريد أن نسرق
لنطعم أبناءنا ولا نقبل إلا العمل الشريف، نريد أن يكون لنا عمل ثابت بمرتب ثابت
لكي نضمن حياتنا وحياة أبنائنا، وأن توفر
لنا الحكومة فرص عمل أو منح نؤمن بها مستقبلنا".
لم تتوقف رحلتنا من أجل إعلاء أصوات تغاضت عن سماعها الآذان، ربما لأنها أصوات خافتة تعمل في صبر وأحيانًا في صمت فهي مهنة تتطلب بذل أقصى قدر من الجهد البدني وليس غير ذلك من الجهد ينفع.
وفي وسط تجولنا حولهم انتقلنا إلى "أنور. ر" ذي العشرين
عامًا وصاحب اللهجة الصعيدية الأصيلة، حكى لنا أنور أنه جاء من أحد أفقر أحياء
أسيوط بحثًا عن قوت يومه بعد موت والدته التي كانت تعيله بعملها، ولم يبق من أسرته
أحد، وظل مدة يبحث عن عمل في منطقته، فلم يجد، لذا قرر أنور ترك الصعيد بكل ما فيه
وجاء إلى القاهرة بحثًا بها عن عمل، وعند وصوله لاقاه عمال اليومية قائلين له:
"اجلس بجانبنا، نحن أيضًا نبحث عن عمل".
ظل أنور يجاهد في سبيل الحصول على
لقمة العيش ولكن دون جدوى، ورغم اعترافه بسوء فعله لكن القدر أنقذه من يد العدالة
.
يحكي لنا أنور أنه في إحدى الليالي أتى له تاجر مخدرات مستغلاً
عدم إيجاده لعمل وأراد منه تهريب بعض الهيروين والكوكايين في معدات العمل وتحت ضغط
الظروف لم يتمالك نفسه، ووافق وقام بتهريب بعض المواد المخدرة تحت إلحاح التاجر له
وقبض مبلغًا من المال أسنده شهرين إنفاقًا.
يضيف أنور: "عملت مهربًا للمخدر لمدة شهرين ثم حدثت لي
حادثة ذات يوم جعلتني أستعيد وعيي وأترك هذا المجال، وذات يوم وأثناء تهريب كمية
من مخدر"الكوكايين" تم إيقافي في كمين أمني أنا ومن معي من العمال الذين
يعملون معي في تهريب المخدر، وفتش رجال الأمن الميكروباص ومن بداخله" ولحسن
حظه تمكن من العودة سالمًا.
ورغم اعترافه بعدم رضاه عما يفعله،
إلا أنه وجد نفسه مضطرًا لفعل تلك الأفعال والأعمال مقابل المال، ربما يكون ذلك
الفعل سيئًا وباعترافه، لعلها تكون حاجة المضطر، ولكن هل حاجة المضطر مبرر كافٍ لفعل
ما فعله؟
في صف من الفواعلية الذين ينتظرون رزق يومهم، يضع كل واحد منهم أجنة وشاكوش مربوطين في بعضهم بشرائط مقطعة من إطار السيارة الداخلي المصنوع من المطاط ، تسمع الغناء ينطلق من حناجرهم ممزوجًا بضحكات وقفشات تبعث على المرح، التقينا بمجدي دسوقي صاحب الـ29 عامًا، ويسكن في محافظة الجيزة، يتيم الأب، ويعيل والدته، هو وإخوته الاثنين يعملون في مهنة عمال اليومية منذ ٣ سنوات.
يروي لنا مجدي أسباب عمله في تلك المهنة قائلاً: "بعد تسريح مصنع الأجبان الذي كنت أعمل به للعمال، لعدم حاجة المصنع لنا، قعدت فترة أدور على شغل لكن ملقتش، وبالصدفة وأنا قاعد على إحدى القهاوي في يوم من الأيام لقيت واحد من عمال اليومية، ومعاه زبون بيتفق معاه إنه ييجي يشتغل عنده، وهيدي له مبلغ كويس، فقررت إني أشتغل مع عمال اليومية".
استغلالهم في أعمال غير قانونية وسط ضياع حقوقهم وتهميش المجتمع لهم
يكمل مجدي ويحكي لنا أنه تعرض للنصب في إحدى المرات بعد يوم عمل
شاق، وكان النصب من صاحب العمل اللي طلب منه هذا العمل، إذ أعطى صاحب العمل له نصف
الأجرة أو نصف المبلغ المتفق عليه فقط، وقال له: "هحتاجك بعدين وهبقى أديهم
لك" ولكن نصب عليه فيهم، ولم يعطه المتبقي من حقه، ويقول لنا مجدي أنه "من
وقتها ومبقاش يروح أي شغل إلا لما يأخذ الفلوس اللي اتفق عليها كاملة".
في ثورة 1919 كان الإنسان العامل هو
محور الأغنية، أما بعد 23 يوليو 1952، أصبح العمل نفسه يحظى بالتمجيد والإشادة،
ربما كانت أغنية "الشيالين" دالة بعنوانها وكلماتها على انحياز الفنان
القدير الراحل "سيد درويش"، لم يغن درويش للعمال في عمومهم، بل يختار
أنواعًا بعينها من العمل هي الأشد جهدًا وتعبًا ليغني لأصحابها، وليكتب أفضل من
كتبوا في ذلك العصر الأستاذ "بديع خيري" الكلمات على لسان هؤلاء
الشيالين: "شد الحزام على وسطك غيره ما يفيدك، لا بد عن يوم برضه ويعدلها
سيدك، إن كان شيل الحمول على ضهرك يكيدك، أهون عليك يا حر من مدة إيدك".
المفارقة هنا، أنه بعد ثورة يوليو 1952،
انحصر الغناء العمالي في تمجيد ماكينات المصانع، وعمال المصانع، وإنتاج المصانع،
ولم يعد للشيالين ولا عمال البناء ولا الفواعلية مكان في الخريطة الغنائية
العمالية، لم يعد هناك الأستاذان "بديع خيري" ليكتب، و"سيد
درويش" يلحن ويغني، ولا مسرح غنائي ليقدم هذه الأعمال.
قصص الفواعلية كثيرة، ولن تنتهي، لكن
آلامهم أكثر، ولكن هل يقفون صامتين أمام واقعهم المضني؟
ساعات عمل القطاع العام 8 ساعات،
ولهم كافة الحقوق بما فيها الأرباح، أما عمال اليومية قد يتم جمعهم للعمل لمدة 12
ساعة دون أي شفقة أو رحمة بهم، رغم تعارض ذلك مع قانون العمل المصري والاتفاقيات
الدولية التي وقعت عليها مصر بشأن العمل وحقوق الإنسان.


إرسال تعليق
شاركنا برأيك